فخر الدين الرازي

88

المطالب العالية من العلم الإلهي

جاء برفعه وإزالته وإبطاله ونسخه كان مبطلا ، فلو كان النسخ والتغيير والتبديل واقعا في هذا القسم ، كان الآتي بالنسخ مبطلا كاذبا ، وحينئذ يلزم تكذيب الأنبياء وذلك لا يجوز . وأما القسم الثاني وهو أن يقال : التفاوت في الشرائع ما وقع في هذه القواعد الشريفة ، والمهمات الأصلية . وإنما وقع في الفروع والزوائد . فنقول : الاختلاف في مثل هذه الزوائد والتوابع إما أن لا يفيد [ منفعة أصلا ، أو إن أفاد منفعة فإن تلك المنفعة « 1 » ] تكون قليلة جدا . ومثل هذا الاختلاف لا يليق به حمل الناس على أحد [ القولين ، ومنعهم من القول الثاني ، بالقتل والنهب والإيلام والإيذاء « 2 » ] ورأينا أن الأنبياء يفعلون ذلك . فكان هذا قادحا في طريقتهم . ومثاله : إن المقصود الأصلي من الصلاة : أن يكون القلب مشتغلا بنية العبودية ، واللسان بالذكر والثناء ، والأعضاء مزينة بأنواع الخدمة . وهذا المقصود حاصل بالصلاة التي يؤتى بها على مذهب [ اليهود ، وبالصلاة التي يؤتى بها على مذهب النصارى ، وبالصلاة التي يؤتى بها على مذهب « 3 » ] المسلمين . فثبت : أن ما هو المقصود [ الأصلي حاصل على كل التقديرات « 4 » ] ثم إنا نرى الأنبياء يبالغون في حمل [ الناس على طريقتهم وفي منع الناس عن طريقة من تقدمهم « 5 » ] ويزعمون : أن العمل بالطريقة المتقدمة : كفر . يوجب حل الدم ، ويوجب العذاب الدائم ويوجب نهب الأموال وسبي الأولاد . وأيضا : المقصود من الصوم : قهر النفس . وذلك لا يتفاوت بأن يقع ذلك الصوم في شهر رمضان ، أو في شهر آخر . فالمبالغة في تعيين هذا الشهر ، والمنع من سائر الشهور يكون عديم الفائدة . وكذلك المقصود من القبلة : أن يكون الإنسان عند اشتغاله بخدمة اللّه تعالى ، مستقرا ثابتا . حتى يتفرغ قلبه للاشتغال بخدمة اللّه تعالى . وهذا المقصود لا يتفاوت بأن تكون القبلة هي

--> ( 1 ) سقط من ( ت ) . ( 2 ) من ( ل ) ( طا ) . ( 3 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 4 ) سقط ( ت ) . وفي ( ط ) : كلا التقديرين . ( 5 ) سقط ( ت ) .